أبي منصور الماتريدي
183
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال بعضهم : غير تتبيب غير شر « 1 » ، والتتبيب « 2 » : الشر ، والتبّ : الشر والخسران ، وهما واحد . وقوله - عزّ وجل - : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى أي : هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أولئك ، أي : كما عذبنا الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة ، كذلك نعذب هذه الأمة [ لكن أخر عن هذه الأمة ] « 3 » ، وفيه رحمة أن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ، أي : أن أخذه بالعذاب أليم شديد ، الأخذ نفسه يوصف بالشدة ، ولكن لا يوصف بالألم ، والعذاب يوصف بالألم ، لكن لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ هو ما ذكرناه : فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ خصّ الناس بالذكر وإن كان الجمع لهم ولغيرهم ؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية ، أو لما هم المقصودون بالجمع بذلك اليوم - والله أعلم - قيل : يجمع فيه الأولون والآخرون « 4 » وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ . قال بعضهم : يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب ، والله أعلم « 5 » . وقوله - عزّ وجل - : وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ أي : ما نؤخر العذاب عن هذه الأمة إلا لأجل معدود ، وذكر هذا - والله أعلم - جواب ما استعجلوه من العذاب بقولهم : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ونحوه ، فقال : وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود ، إلا لوقت موقوت ؛ أي : إلا لأجل معدود عند الله ، ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف فيكون معدودا عند الناس ، ويكون وقت القيامة معلوما على قوله ، وقد أخبر الله : لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي : لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه ؛ كقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه ؛ كقوله : مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ
--> ( 1 ) ذكره أبو حيان في البحر ( 5 / 260 ) ونسبه لابن زيد . ( 2 ) في ب : وقال التشبيب . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ذكره أبو حيان في البحر ( 5 / 261 ) وكذا الرازي ( 18 / 47 ) . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 113 ) ( 18578 ) عن الضحاك ، وذكره السيوطي ( 3 / 633 ) وعزاه لابن جرير عن الضحاك ، وكذا البغوي ( 2 / 401 ) ، والرازي ( 18 / 48 ) .